الشفافية /

محاربة الفساد في افريقيا الغارقة في الفساد
وضربت لنا نيجيريا مثلا!

27/11/2017 23:59:30

تجربة نيجيريا في مكافحة الفساد وإرساء  دعائم النهوض لدولة تنشد التقدم والرفاهية لشعبها جاءت تسير قدما على طريق واحد لا يعرف خيار غيره. عندما فاز لإول مرة مرشح من المعارضة النيجيرية فى الإنتخابات الرئاسية وهو الحاكم العسكرى السابق محمد بخارى على الرئيس غودلاك جوناثان مارس 2015 راهن العالم أجمع على إستحالة تنفيذ برنامجه الإنتخابى الذى أوصله لسدة الحكم والرامى إلى إقتلاع جذور الفساد الرهيب، توفير الأمن الداخلى بالقضاء على جماعة بوكو حرام المتطرفة المسيطرة على مساحات واسعة من شمال البلاد بمدنها الكبرى وتحقيق نموا إقتصاديا يلامس تطلعات المواطن النيجيرى. الظروف فى البلاد كانت صعبة للغاية والمشاكل مزمنة ومعّقدة. نيجيريا فى الترتيب 136 بمؤشر الفساد العالمى، ورغم أنها أكبر مصّدر للنفط فى آفريقيا لكن بسبب الفساد نسبة الفقر وصلت 70 % من السكان البالغ تعدادهم 174 مليون نسمة. الحكومة السابقة ظلت تحارب الإرهاب منذ عام 2009 سقط خلالها أكثر من 15 ألف قتيل ولم تستطع حسم المعركة لصالحها. دعونا نستعرض بهدوء إنجازات الرجل خلال مسيرته الرئاسية حتى الآن.

1-      أعلن عن كامل الذمة المالية له ولنائبه، وهو ما جعل بعض وسائل الإعلام العالمية تصفه بـ "أفقر رئيس أفريقي".

2-      في أغسطس 2015 طبق نظام مالي جديد بتوحيد مئات الحسابات المالية الحكومية في حساب واحد بإشراف البنك المركزي النيجيري.

3-       في ديسمبر 2015 أطلقت الحكومة "النظام الموحد للمعلومات الشخصية والمالية" للموظفين، لربط المرتبات بالبيانات الشخصية "بيوميتريك" بحساب بنكي واحد للموظف، وبدأت مراجعة عاجلة فاكتشفوا 24 ألف وظيفة وهمية مدفوعة المرتبات في فبراير 2016.

4-      الرئيس شكل لجنة من أكاديميين لمراجعة عمل مؤسسات مكافحة الفساد، كان من توصياتها جمع الجهات الرقابية تحت مظلة تنسيقية واحدة.

5-      تم وضع مشروع قانون لحماية الشهود والمبلغين عن قضايا الفساد.

6-      الحكومة اهتمت بقضايا أثارت استياء الشعب فى عهد الرئيس الأسبق: فى 2014 إنشغل الرأى العام النيجيرى بما أعلنه محافظ البنك المركزى أن وزارة النفط لم تورد للمالية مبلغ 201 مليار دولار وبدلا من إجراء التحقيق فيما ورد أتهم بأنه يشوه سمعة الحكومة وأقاله الرئيس الأسبق من منصبه. وبمجرد فوز الرئيس الجديد أقال وزيرة النفط أليسون مادويكى وغادرت هربا إلى بريطانيا ولكن الرئيس المنتخب حرّك القضية ضدها فورا، وطالبت نيجيريا إنجلترا بتسليمها، وبالفعل تم القبض عليها هناك فى أكتوبر 2015 أستردت المبالغ المنهوبة لاحقا و الوزيرة السابقة باتت تقضى عقوبة السجن ببلادها إثر حكم قضائى صدر ضدها فى أبوجا.

أثارت فضيحة "تقرير لجنة أورونساي" تهكم وسخرية الأوساط الشعبية على نطاق واسع وهذا التقرير عبارة عن توصيات مكافحة الفساد صدر عام 2012 وينص على أن يقوم المكلفين بالتفتيش الدورى على الوزارات والدوائر الحكومية وكانت تبريرات كبار مسئولى هذه الجهات الحكومية ثتير الضحك والإشمئزاز لدى وصول المفتشين لمكاتبهم لآداء مهامهم وهو أنهم لم يتمكنوا من إعداد الملفات المطلوبة بحجة أن فاكسات المفتشين المرسلة إليهم بالإخطار مسبقا وضعت بالخطأ تحت ورق الطباعة الأبيض. وعندما كثر اللغط والتجاذب بين الطرفين أعلن الرئيس جوناثان رسميا فى 2014 رفضه توصيات التقرير جملة وتفصيلا وهو ما حمل النيجيريين على السخرية أن الرئيس وضع ورقة بيضاء كبيرة عليه!

الحكومة الجديدة أعلنت أنها ملتزمة بالتقرير والعمل بتوصياته فورا (أهم ما فيه انه راجع 541 وكالة ولجنة حكومية، وأوصى بالغاء 102 منها، ودمج 52 لإزدواجية الإختصاصات .. مثلا ما جدوى وجود اللجنة الوطنية العليا للرياضة مادام هناك وزارة مختصة للرياضة؟).

7-      الموازنة الجديدة في نيجيريا منذ تولى الرئيس محمد بخارى السلطة يتم إعدادها للمرة الأولى بطريقة تسمى "الموازنة الصفرية". وهى طريقة مستحدثة ظهرت في السبعينات لمكافحة الفساد وإهدار المال العام وأثبتت فعاليتها و نجاحها، وأول دولة عربية طبقتها هي الإمارات فى عام 2011. الطريقة السابقة تسمى "الموازنة التقديرية" تأخذ وزارة المالية الموازنة السابقة بعين الإعتبار وتقدر على أساسها الزيادات المتوقعة وفق المتطلبات وعلى ضوئها يتم تخصيص الميزانيات للوزارات عكس الموازنة الصفرية التى تسقط أى إعتبار للموازنة السابقة وتبدأ كل سنة من "الصفر" من صغار المسئولين على الأرض من مدير المستشفى إلى مدير المدرسة يقدروا ميزانياتهم على ضوء إحتياجاتهم الفعلية ثم ترفع للمستوى الأعلى وهكذا وهو يسمى "بناء الموازنة من الأسفل لأعلى" أهم مميزات هذه الموازنة هى مراجعة الميزانيات الممتدة مثلا هناك مشروع يفترض أن يتم تنفيذه فى 5 سنوات يتم مراجعته كل عام من الصفر لمعرفة أية زيادة قد تطرأ على التكلفة أو مؤشر للنقص وهو ما يحدد جدوى الإستمرار فيه. المعروف أن سلطنة عمان أخذت مؤخرا بتطبيق الموازنة الصفرية.

8-      قام الرئيس بإقالة جميع الوزراء بلا إستثناء، وأغلب مسئولي الهيئات الكبيرة وكل أطقم مساعديهم. وإستبدلهم بوجوه جديدة كلهم شباب يتمتعون بالنزاهة، الحماس، الكفاءة والرؤية الوطنية الثاقبة مما عزز الثقة والتفاؤل لدى المواطن النيجيرى.

9-      تم إحالة عشرات المسئولين من العهود السابقة للمحاكمات ومن أعلى المستويات. منهم وزير دفاع سابق، ورئيس مفوضية الجرائم المالية والإقتصادية، ورئيس الشركة الوطنية للنفط و بوكولا ساراكى رئيس مجلس الشيوخ الأسبق. فى يناير الماضى أعلن عن بدء التحقيق القضائى مع 55 شخصا اختلسوا 68 مليار دولار خلال 7 سنوات، منهم 4 وزراء سابقين وحكام ولايات ورجال بنوك ورؤساء شركات عمومية. من أبرز الشخصيات الجنرال سامبو دسوقي، مستشار الرئيس السابق للأمن القومي، تم القبض عليه بسبب وجود عجز 2 مليار دولار في الأموال المخصصة لتسليح الجيش لحرب بوكو حرام.

10-  بعد شهرين من توليه الرئاسة أقال جميع قادة الجيش بسبب الفشل فى الحرب ضد جماعة بوكو حرام الإرهابية، أقال وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية، وحذر القادة الجدد من الفشل. وفى أغسطس الماضى حرر الجيش 370 رهينة من النساء والأطفال لدى بوكو حرام طال إحتجازهم وكانت قضية رأى عام. وّثق بشير سعد عبدالله مراسل البى بى سى فى تقرير له شهادة الجنود بأنهم أصبحوا أفضل تسليحا بعد تولى بخارى الرئاسة. أيضا فى يناير الماضى أعلن الرئيس التحقيق مع 38 ضابطا من قادة الجيش السابقين بكل المستويات لإتهامهم بالفساد فى عمولات صفقات الأسلحة.

11-  ملف شركة النفط الوطنية كان دائما مثار شك وإمتعاض المواطنين النيجيريين لسنين طويلة! الرئيس حل مجلس الإدارة بالكامل، وعين رئيس مجلس إدارة جديد خريج جامعة هارفاد الأمريكية المرموقة والذى سبق أن تقلد عدة مناصب قيادية عليا فى عدد من شركات النفط العالمية المشهورة، مشهود له بالكفاءة والخبرة الدولية والنزاهة. وهو بدوره أقال كل الفسدة وتم إحالتهم للمحاكمة لتقول العدالة كلمتها . . وضاعف الإيرادات.

النتيجة يا سادتى . . 

تحقق معدل نمو بحوالى 10 فى المائة، تضاعف دخل المواطن النيجيرى، وإرتفع معدل نمو الدولة رغم إنخفاض أسعار النفط دون الحاجة للإقتراض من الخارج أو زيادة الضرائب على كاهل الشعب.

مضى عامان ونيف منذ توليه السلطة وما زال يعتبر أفقر رئيس فى آفريقيا ويشهد له العالم بذلك. وفى هذا الصدد قال قولته المشهورة " جئت لهذا العالم وأنا لا أملك شيىء وسأغادره أيضا بدون أن أمتلك أى شيىء - فلماذا أسرق؟".

ترى هل أنجبت حواء السودانية رجلا مثل محمد بخارى يخرج السودان من نفقه المظلم الذى أدخل فيه منذ (28) عاما و يعيد وطن لشعب أنهكه طول الإنتظار و حينها لن يفلت المجرمون من قبضة العدالة!

عزالدين حمدان

 

لقراءة الموضوع من المصدر اضغط هنا