دراسات وتقارير ذات صلة /

المؤتمر العربي لدور المجتمع المدني في تنفيذ أجندة التنمية الدولية المستدامة: دور التشبيك في رفع مستوى أداء المجتمع المدني

26/07/2016 00:27:53

مداخلة شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

في المؤتمر العربي لدور المجتمع المدني في تنفيذ أجندة التنمية الدولية المستدامة 2030 الدوحة 20 - 21 افريل 2016 حول تجارب المجتمع المدني في التعاون الاقليمي

صلاح الدين الجورشي وزياد عبد الصمد

يعتبر التشبيك من أهم الوسائل التي يعتمد عليها المجتمع المدني على مختلف الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية للدفاع عن أهدافها ومطالبها. وهذا ما أدركته منظمات المجتمع المدني العربية في سياق نضالاتها متعددة الأوجه والقضايا. فالعمل المفرد هام ولكن نتائجه تبقى محدودة، في حين أن التحرك المشترك من شأنه أن يقلص من الكلفة وأن يجعل المجتمع المدني شريكا حقيقيا في صنع السياسات ومراقبة تنفيذها.

تهدف هذه الورقة إلى إبراز أهمية التشبيك في رفع مستوى أداء المجتمع المدني، وذلك من خلال عرض تجربتين يمكن اعتبارهما من بين حالات نجاح على الصعيدين المحلي وأيضا الإقليمي. تتناول الاولى تجربة شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية في مجال متابعة المسار التشاوري حول خطة التنمية المستدامة وتفعيل مساهمة المجتمع المدني فيها، مع الاشارة الى الجهد الموازي للمسار العربي. اما التجربة الثانية فتتناول قصة نجاح المجتمع المدني التونسي الذي تمكن من القيام بدور حاسم بفضل التنسيق والتشبيك.

 شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية :

المسار المتعلق بمراجعة خطة العمل 2030

في اطار التجارب الاقليمية للتشبيك والتعاطي مع المسار التشاوري حول خطة العام 2030، تعتبر شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية من المبادرات الجادة والفريدة من نوعها على الصعيد العربي التي عملت خلال العشرين عاما الماضية على إبراز أهمية النضال من أجل ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وقد تمكنت الشبكة أن تجمع في عضويتها المئات من الجمعيات من 11 دولة عربية.

هذا وقد نظمت الشبكة ثلاث ورشات عمل اقليمية حول التنمية المستدامة بالتنسيق مع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا وادارة المجتمع المدني في جامعة الدول العربية (عام 2013، 2014 و2015)، بهدف متابعة المسارين الدولي والاقليمي لخطة العمل التنموية لما بعد العام 2015. كما نظمت ورشة عمل اقليمية حول تمويل التنمية، المسار الموازي الذي يهدف الى النظر بتوفير الموارد المادية لخطة 2030 على المستويين الوطني والدولي.

كما نجحت الشبكة في جمع خبراء من المنطقة العريية ومن العالم بالاضافة الى ممثلين عن المجتمع المدني والمنظمات الدولية. وقد أكدت تجربتها خلال السنوات الثلاث الماضية على ان المجتمع المدني في المنطقة أصبح قادرا على أن يرتقي بطرحه للتحديات والمقاربات المطلوبة لمواجهتها الى مستوى متقدم من المسؤولية والفهم للواقع (كل النتائج متاحة في تقارير وبيانات متوفرة على موقع الشبكة الالكتروني www.annd.org)).

وكان للشبكة تجارب غنية من خلال مشاركتها في المنتديات العربية والدولية التحضيرية، إذ ساهمت في بلورة عديد من المواقف التي تستند الى تجاربها العملية في المنطقة، ان لجهة الربط بين الديمقراطية والتنمية من جهة او الربط بين التنمية والأمن والاستقرار من جهة ثانية. كما استفادت الشبكة من التجارب الدولية لإغناء الحوار في المنطقة لاسيما حول كيفية الربط بين العدالة وحقوق الانسان، وتطوير الفكر التنموي الذي يرتكز الى المقارية الحقوقية الشاملة. وقد أنتجت التجارب الدولية وما تلاها من حوارات اقليمية تصورا تبنته الشبكة وهي حالياً تروج له وتسعى الى بلورته بشكل ملموس ودقيق. أساس هذا الفكر يقوم على وجوب اعادة النظر بالنموذج التنموي والتركيز على تنويع الاقتصادات وتعزيز القدرات الانتاجية ذات القيمة المضافة، أي التي تساهم في توليد فرص عمل وتعزز التنمية المستدامة. اما عن العدالة، فانها تتطلب سياسات التوزيع من خلال الانظمة الضريبية العادلة وسياسات الحماية الاجتماعية وتعميم التقديمات. كما تتطلب سياسة للأجور تعزز القدرات الشرائية للمواطنين وتساهم في تنمية مواردهم وتحسين احوالهم المعيشية.

وتعتمد المقاربة الجديدة على الشراكة بين الأطراف الثلاثة الأساسية (القطاعان العام والخاص والمجتمع المدني) بما يعنيه ذلك من المكاشفة والمساءلة والمحاسبة وبشكل متبادل. ان هذه الشراكة تأخذ بالاعتبار التحديات الناجمة عن غياب أو ضعف المؤسسات الوطنية، السياسية (التشريعية والتنفيذية) والادارية والقضائية، حيث تتم مسار صنع القرار. كما ان النظام العالمي الراهن يقيد المؤسسات الوطنية ويحد من قدراتها على صنع السياسات واتخاذ القرارات واعتماد الخطط والبرامج. ان هذا الواقع الذي يؤثر على الحيز السياساتي يعتبر من التحديات التي تعيق القدرة على المشاركة الفعلية وبالتالي على المساءلة والمحاسبة. 

 وتنقسم الخلاصات التي توصلت إليها الشبكة الى المحاور التالية:

اولا: يتطلب تنفيذ وتحقيق خطة 2030 التزاما قويا من قبل الدول/الحكومات بأولويات جدول الاعمال. وهذا يفترض توفير كافة الموارد والمقومات الضرورية لإنجازه بما في ذلك الشراكة الفعلية بين مختلف أطراف الفاعلين والمعنيين بالعملية التنموية.

ثانيا: يتطلب النجاح في تحقيق الاهداف اعتماد المقاربة الشاملة والمتناغمة بين مختلف القطاعات والأهداف، إذ أن تجارب العمل على أهداف الألفية والتي اعتمدت على المقاربة المجتزأة لم تحقق أهدافها ولم تؤد الى النجاح الملموس. خاصة وأن العمل السابق قد اقتصر فقط على قياس المؤشرات الكمية.

إن تكرار التجربة من دون الاستفادة من أخطائها لن يساعد على تحقيق الأهداف المنشودة، لذلك المطلوب مقاربة تنموية شاملة تعتمد على القياس النوعي للتقدم.

ثالثا: الشراكة مع القطاع الخاص تتطلب آليات واضحة ومعايير يتم الالتزام بها، وتتعدى مجرد التوقف عند المساعدة الاجتماعية، وإنما يجب أن ترتق إلى مستوى الالتزام بمعايير حقوق الانسان وبمبادئ العدالة الاجتماعية.

كما أن القطاع الخاص الشريك في العملية التنموية والذي يستفيد من منح وقروض وتسهيلات مالية ولوجستية للوصول الى المواطنين، عليه الالتزام بمعايير الشفافية والافصاح التي تساعد على تعزيز المساءلة والمحاسبة.

رابعا: الفسحة المتاحة للمجتع المدني تتطلب التزاما بحمايتها بما يضمن الاستقلالية والقدرة على التشكل والعمل والوصول الى المعلومات والموارد المادية والبشرية، واحترام حرية التعبير وتعزيز آليات المساءلة والمحاسبة المتبادلة بين مختلف أطراف الفاعلين (اعدت الشبكة دليلا حول المساءلة المتبادلة وهو متاح على الموقع الالكتروني).

العلاقة مع الاطر الاقليمية الاخرى: جامعة الدول العربية

كما عملت الشبكة على خلق مسار جديد موازي للقمة العريية الاقتصادية والاجتماعية التي تنظمها الامانة العامة لجامعة الدول العربية كل سنتين. وقد انعقدت بالفعل القمة الاولى في دولة الكويت عام 2009. ومن ثم انعقدت في شرم الشيخ عام 2011 وفي الرياض عام 2013. وفي كل مرة تم فيها تعيين ميعاد للقمة العربية نظمت الشبكة لقاء موازياً للمجتمع المدني بمشاركة من عشرات الممثلين عن المجتمع المدني في الدول العربية بالاضافة الى ممثلين عن الاعلام والمنظمات الدولية وجامعة الدول العربية

وقد تمكنت الشبكة بالفعل من توحيد مواقف المشاركين واصدار اعلان بعد كل لقاء يتضمن على التوصيات والاقتراحات العملية من اجل المساهمة في مواجهة التحديات التنموية وتحسين الشروط المعاشية للمواطنين. الاعلانات الثلاثة متوفرة على صفحة الشبكة الاكترونية، وهي تصلح لان تكون بمثابة خارطة طريق من اجل اعتناق مقاربة تنموية اقليمية تساهم في تحسين الاوضاع فيها.

الحوار الوطني في تونس :

المثال الثاني لذي نقترح التوقف عنده يتعلق بالإنجاز الهام الذي حققه المجتمع المدني في تونس، والذي تمثل في إدارة الحوار الوطني باقتدار، وهو ما جنب تجربة الانتقال الديمقراطية الانهيار والدخول في حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس. ويمكن الإشارة بإيجاز لأهم العوامل التي ساعدت على تحقيق هذا النجاح الذي باركه المجتمع الدولي من خلال حصول الرباعي على جائزة نوبل للسلام.

أولا : توصل المجتمع المدني إلى إنجار أرضية مشتركة مع القطاع الخاص ممثلا في اتحاد الصناعة والتجارة للقيام بتحرك جماعي يهدف إلى وضع التدهور السياسي وإنقاذ البلاد التونسية من الفوضى والاقتتال الأهلي. حيث تم التوقيع على "عقد اجتماعي" من قبل الطرفين كاساس (ارضية) للعمل المشترك والحد الادنى من الشروط المطلوبة من الحكومة على طريق العدالة الاجتماعية

ثانيا : لأول مرة في تاريخ تونس تخضع القوى السياسية لعملية تحكيم يتولاها المجتمع المدني، إذ كانت من أهم آليات هذا الحوار تحقيق التوافق والقبول في الآن نفسه بأن يتولى الرباعي مهمة التدخل لتقريب وجهات النظر والإعلان عن النتائج النهائية دوا أن يفقد المجتمع المدني خصوصياته أو ينقلب للقيام بأدوار سياسية بدل الأحزاب ومؤسسات الدولة.

ثالثا : أثبتت تجربة الحوار الوطني في تونس أن الديمقراطية تبقى الشرط الأساسي لكي يتمكن المجتمع المدني والأحزاب من التوصل إلى الآليات والحلول التي من شأنها أن تتجاوز المخاطر الجماعية، وتحقق التوافقات التاريخية الكفيلة بدعم الشعور بالمصير المشترك.

رابعا : التحدي الذي لا تزال تواجهه قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية في تونس، يتمثل في ضرورة الانتقال من التوافق السياسي إلى تحقيق التناغم بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لأن الحريات وحدها لن تكون كافية إذا لم تؤدي إلى تحقيق تنمية عادلة وإنسانية، تخرج المجتمع كله من حالة الفقر واللامساواة.

تتعدد التجارب الناجحة على المستوين الاقليمي والوطني حيث استطاع المجتمع المدني من خلال توثيق التعاون والتشبيك بين مختلف الاطر المدنية من تحقيق الاهداف، او بعضها، او تحقيق تقدم على مستوى تفعيل دور مساهمة المجتمع المدني في مواجهة التحديات التي تواجهها المجتمعات لا سيما في المجالين الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية.

تعتبر خطة عمل 2030 برنامجاً دولياً له ابعاده الاقليمية والوطنية - ما يجعل التعاون على مختلف هذه المستويات ضرورياً بين مختلف الاظراف الفاعلة، وبالتالي فإن التشبيك هو الاداة المطلوبة لتوفير المناخ الملائم للتقدم على مستوى تحقيق خطة عمل التنمية المستدامة.