دراسات وتقارير ذات صلة /

الدول العربية واشكالية العمل غير المهيكل

26/07/2016 00:19:55

حقيقة العمل في البلدان العربيّة هي أنّه غير مهيكل*

د. سمير العيطة

*تأتي جهود شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية لتعميق البحث في مجال العمل غير المهيكل في الدول العربية وربطه بالسياسات العامة من خلال النسخة القادمة من تقرير راصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي تصدره الشبكة كل عامين. ويأتي هذا المقال من الباحث الرئيس في الراصد، الدكتور سمير العيطة، للتعريف بمفهوم العمل غير المهيكل، على ان تتبعه سلسلة مقالات في النشرة الدورية عن وضع هذا العمل في بعض الدول العربية التي يتناولها التقرير، قبل اطلاق التقرير بداية العام المقبل.

هناك إشكاليّة، هي سمة عصرنا هذا، للتعبير عن العمل الذي لا تترتّب عليه أيّة حقوق. في السابق، ارتبطت الحداثة الاقتصاديّة والاجتماعيّة بأنّ العمل حقّ لمن يقدر عليه، وأنّ هذا الحقّ يرتبط بقوننة العمل وعلاقة العامل بصاحب العمل، بحيث ينظّم المجتمع عبر الدولة والقانون والاتفاقيات القطاعيّة واجبات العامل ويمنحه بالمقابل مزايا تتعلّق بالصحّة والراحة والأمان عدا تأمين الدخل في حال الإعاقة أو الشيخوخة. وبالطبع جاءت هذه الحداثة في مفهوم العمل من نموّ الصناعة وتقلّص العمل في الزراعة والرعي ومع نشوء الدولة الحديثة الخاضعة لعقد اجتماعيّ مثبّت في دستور. وكان مسار الحداثة يبدو حتميّاً من علاقات العمل التقليديّة، الإقطاع والرقّ والسخرة والعمل الأسريّ دون أجر وغيرهم، نحو العمل كحقّ اجتماعي مقونن، مع أنّ بلوغه والتخلّص من الاستغلال لم يأتِ إلاّ عبر نضالات وصراعات قاسية.

سمّي العمل الذي لا تترتّب عليه أيّة حقوق عملاً تقليديّاً، ثمّ عملاً غير مهيكل informal، لطالما يُترجم إلى العربيّة عملاً غير منظّماً أو غير نظاميّ. إشكاليّة التعبير نشأت منذ بروز المفهوم في سبعينات القرن الماضي، عندما تمّت ملاحظة أنّ الرأسمالية المعولمة لم تأخذ منحى الحداثة المتوقّعة. إذ انخرط كثيرٌ من الدول المسّماة نامية في العولمة وأضحت مجتمعاتها أغلبها حضريّة إلاّ أنّها أبقت معظم المشتغلين خارج الحقوق والقوننة. بل إنّ القوننة باتت تتراجع حتّى في الدول المتقدّمة، خاصّة مع الصدمات التي أتت بها الأزمات الدوريّة للرأسماليّة.

تدريجيّاً توضّح مفهوم القطاع غير المهيكل، نسبة إلى نوعيّة المؤسسات التي يجري فيها إنتاج القيمة المضافة (أي المساهمة في الناتج المحلّي الإجمالي). فتمّ من ناحية تمييز الشركات المسجّلة رسميّاً، حكوميّة كانت أم خاصّة، والتي سميت مهيكلة ونظاميّة. وصنّف ما بقي بين القطاع الأسريّ وبين القطاع غير المهيكل، مع أنّ كلا هذين الآخرين غير مسجّلين وغير منظّمين وصعبٌ تقدير مساهمتهما في الإنتاج والقيمة. إلاّ أنّ تعبير القطاع غير النظاميّ كثيراً ما التبس مع النشاطات الاقتصادية الممنوعة أو الإجراميّة، مع مزجٍ بين أسرةٍ تبحث عن تأمين قوت عيشها في إنتاج بعض الألبسة أو صاحب كشكٍ صغير يبيع الدخّان ويستخدم أجراء وبين تجّار المخدّرات والمهرّبين.

كما أنّ التباسات أخرى تعتري حتّى بعض الاختصاصيين، الذين لا يرصدون العمل غير المهيكل سوى في القطاع غير المهيكل، في حين ينموّ هذا العمل غير المقونن بشكلٍ ملحوظ حتّى في القطاع المهيكل، أي في المؤسسات المسجّلة نظاميّاً، حتّى في الحكوميّة منها.

 

الوضوح فيما يخصّ هذا التصنيف القطاعي، كما فيما يخصّ وضعيّة العمل لم يدخل حتّى الآن كاملاً في الحسابات القوميّة ولا في مسوح قوّة العمل في معظم الدول النامية، وبينها الدول العربيّة. فقلّما توضّح مسوح قوّة العمل التوزيع بين العاملين لحسابهم الخاص وأرباب العمل والعاملين بأجر، إلخ. ما يجعل تبيان أصناف العمل غير المهيكل العشرة التي اعتمدتها منظّمة العمل الدوليّة في 2002 عصيّة على القياس والتحليل. ما يجعل وضع السياسات المناسبة صعباً للغاية حتّى لو تواجدت الإرادة السياسيّة لذلك.

ليس العمل غير المهيكل ظاهرة هامشيّة في البلدان العربيّة، لأنّه وضعيّة أكثر من 60% أو حتّى 70% من العاملين خارج الزراعة والقطاع الحكومي. بل إنّه حقيقة العمل في هذه البلدان، يطال خاصّة الشابّات والشبّان الذين أضحوا أغلبيّة السكّان والتي عجزت السياسات التنموية على خلق فرص عمل لهم محميّة بحقوق. لدرجة أنّه لا معنى للحديث في هذه البلدان عن معدّلات البطالة، إذ لا يترتّب أيضاً على هذه البطالة أيّة حقوق.

وهذه الحقيقة تتفاقم مع موجات اللجوء الكثيفة التي تشهدها البلدان العربيّة، فأغلب اللاجئين ينخرطون في عملٍ غير منظّم لتأمين حياتهم. كما أنّ عمل الأجانب دون حقوق قد أضحى أساس قوّة العمل في بلدان الخليج، التي لا يجري أو لا ينشر معظمها مسوحات قوّة العمل. ولا تكمن المشكلة في السياسات الحكوميّة وحدها، بل أيضاً في التنظيمات النقابيّة التي تحشد منتسبيها ضمن العاملين المنظّمين.

النضال من أجل حقوق العمل هو صلب النضال المدنيّ من أجل الحريّات والتنمية. لكنّ التجربة العربيّة لهذه النضالات ما زالت ناشئة. لم تصل مثلاً إلى مستوى نضالات النساء العاملات المنظّمات مدنيّاً في الهند، اللاتي فرضنَ على منظّمة العمل الدوليّة وبقيّة المؤسّسات أسس تحليل العمل غير المهيكل وسبل الحشد من أجل اكتسابه حقوقاً.